عبد الشافى محمد عبد اللطيف
25
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
أنه لا تبدأ الطبقة الثانية إلا إذا انتهت الطبقة الأولى ؛ لأنه ليس هناك حد زمني فاصل بين هذه الطبقات ، فالعلم متصل ، وحلقاته ممتدة ومستمرة ، وأجيال العلماء متداخلة ، وربما يكون الواحد منهم تلميذا وأستاذا في نفس الوقت ، بل المقصود من هذا التقسيم ، تمييز رجال كل مرحلة عن التي سبقتها والتي تلتها . وكلما امتد الزمن اتسعت دائرة العلم وزاد عدد العلماء وتلاميذهم ؛ ولذلك سنجد في هذه الطبقة الثانية ، حشدا كبيرا من علماء المغازي والسير ذوي المكانة العلمية الرفيعة ، خاصة في مدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . ويكفي أن نلقي نظرة على سيرة ابن إسحاق - الذي سنخصه بحديث مفصل في هذا الكتاب لتميزه وإمامته في ميدان السيرة النبوية - والتي جاءتنا عن طريق عبد الملك بن هشام برواية زياد بن عبد اللّه البكائي ، لنعرف مدى الحجم الذي وصل إليه عدد العلماء ، وكيف كان اهتمام هذا الجيل بسيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فابن إسحاق يروي مباشرة بطريق المشافهة ، عن أكثر من مائة راو من علماء المدينة وكلهم يروي عنه بقوله : حدثني فلان ، أو أخبرني فلان ، أو سألت فلانا فأخبرني ، فبالإضافة إلى أستاذه الأكبر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، نجده يروي عن عدد كبير من العلماء ، كثيرون منهم من أسرة واحدة ، مثل آل الزبير ومواليهم ، فهو يروي عن هشام بن عروة بن الزبير ، وعن يحيى بن عروة بن الزبير ، وعن عمر بن عبد اللّه بن الزبير ، وعن محمد بن جعفر بن الزبير ، وعن يحيى بن عباد بن عبد اللّه ابن الزبير ، وعن يزيد بن رومان مولى عروة بن الزبير ، وغيره من مواليهم ، ورواية ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه ، أو عن الزهري عن عروة بن الزبير ، لها قيمتها الكبرى من ناحية التوثيق العلمي ؛ فهي مرفوعة في أغلب الأحوال إلى السيدة عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها ، وإذا رفعت الرواية عن الثقات ، عن سيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، إلى السيدة عائشة ؛ كانت هي الصدق بعينه ، كذلك يروي ابن إسحاق عن نافع مولى عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، وعن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، وعن عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم الأنصاري ، وعن أبيه إسحاق بن يسار . رجال هذه الطبقة - الثانية - من علماء المغازي والسير هم أساتذة محمد بن إسحاق وشيوخه المباشرون ، ولكثرة عددهم فمن الصعب الحديث عنهم كلهم في حيز هذا الكتيب ، ولذلك سنقصر الحديث على أشهرهم وأكثرهم تأثيرا في إثراء حركة التأليف في ميدان المغازي والسير ، ويأتي على رأس القائمة :